ابراهيم بن عمر البقاعي
310
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وزاد رغبا بالوصف الذي لا وصف أجلّ منه فقال : الْمُخْلَصِينَ * . ولما خلصهم منهم ، ذكر ما لهم فقال معظما لهم بأداة البعد : أُولئِكَ أي العالو القدر بما صفوا أنفسهم عن أكدار الأهوية لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ أي يعلمون غائبه وكائنه وآتيه وطعمه ونفعه وقدره وغبّه وجميع ما يمكن علمه من أموره ، وليسوا مثل ما هم عليه في هذه الدار من كدر الأخطار لا تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً لأن النفس إلى المعلوم أسكن ، وبالأنس إليه أمكن . ولما كان أهل الجنة لا يأكلون تقوتا واحتياجا ، بل تنعما والتذاذا وابتهاجا ، لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد ، فهي غير محتاجة إلى حفظ الصحة قال : فَواكِهُ أي يتنعمون بها بما كدروا من عيشهم في الدنيا . ولما كان الذي هو نعيم الجسم لا يحمد غاية الحمد إلا مع العز الذي هو غذاء الروح قال : وَهُمْ مُكْرَمُونَ * بناه للمفعول إشارة إلى أن وجود إكرامهم من كل شيء أمر حتم لا يكون غيره أصلا . ولما كان الإكرام لا يتم إلا مع طيب المقام قال : فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أي التي لا يتصور فيها غيره . ولما كان التلذذ لا يكمل إلا مع الأحباب ، وكانت عادة الملوك الاختصاص بالمحل الأعلى ، بين أنهم كلهم ملوك فقال : عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ * أي ليس فيهم أحد وجهه إلى غير وجه الآخر على كثرة العدد . ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالشراب ، وكان المقصود الطواف فيه ، لا كونه من معين ، قال : يُطافُ بالبناء للمفعول وكأنها يدلى إليهم من جهة العلو ليكون أشرف لها وأصون ، فنبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال : عَلَيْهِمْ أي وهم فوق أسرتهم كالملوك بِكَأْسٍ أي إناء فيه خمر ، قالوا : وإن لم يكن في الزجاجة خمر فهي قدح ، ولا تسمى كأسا إلا والخمر فيها مِنْ مَعِينٍ * أي من خمر جارية في أنهارها ، ظاهرة للعيون تنبع كما تنبع الماء لا يعالجونها بعصير ، ولا يحملهم على الرفق بها والتقصير فيها نوع تقصير ، قال الرازي : إنما سميت به إما من ظهورها للعين أو لشدة جريها من الإمعان في السير أو لكثرتها من المعن ، وهو الكثير ، وسمي الماعون لكثرة الانتفاع به ، ويقال : مشرب ممعون : لا يكاد ينقطع . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 46 إلى 54 ] بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 ) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ( 49 ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 50 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ( 51 ) يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ( 52 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ ( 53 ) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ( 54 ) .